يرمز اللون الأخضر في الأيقونة بشكل عام إلى الحياة والنموّ الروحيّ وتجديد الخليقة مع الربّ وبالربّ، ولا سيّما تجديد الإنسان روحيًّا، والعمل المُحيي للروح القدس، الذي هو «الربّ المُحيي» و«واهب الحياة». فكأنّه بذلك يقول لنا: «يسوع هو الحياة، ولا حياة خارجه».
نشاهد اللون الأخضر في كثير من الأيقونات، مثلًا:
- أيقونات عيد البشارة: هذا العيد هو رأس خلاصنا، كما نرتّل في طروباريّته. يبدأ خلاص العالم اليوم، وتنتصر الحياة في المسيح، ويموت الموت. فبشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم هي إعلان خلاصيّ لكلّ المسكونة: «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا» (يوحنا 1: 14). فلا عجب أن نجد اللون الأخضر أحيانًا في ثياب والدة الإله، أو في ثياب الملاك جبرائيل.
- أيقونات عيد الميلاد: لا تخلو أيقونات العيد من اللون الأخضر، إذ نشاهده في ثياب الملائكة والمجوس والرعاة، وفي الطبيعة. فميلاد الربّ يسوع المسيح هو ميلادنا نحن معه؛ أي إنّنا نولد معه خليقةً جديدةً، إذا ارتضيناه مخلّصًا وإلهًا.
أيقونات دخول الربّ إلى أورشليم (الشعانين) : نشاهد اللون الأخضر في أغصان النخيل، وفي الشجرة الكبيرة التي يتسلّقها الصبيّ الذي يقطع الأغصان. كما نشاهده في ثياب الشعب والثياب المطروحة على الأرض. في هذا الدخول، يصرخ الشعب: «أوصنّا»، أي «خلّصنا الآن». ومن يستطيع أن يخلّص سوى الربّ الإله؟ ويسوع هو الإله.
-أيقونات عيد العنصرة: إنّه عيد حلول الروح القدس على التلاميذ. ففيه، أوّلًا، يهبهم الرّوح القدس حياة الإنجيل، فيتجدّدون؛ وثانيًا، تنطلق الكرازة لتجديد العالم وانتشاله من الخطيئة.
-ما يُعرَف بأيقونة الثالوث القدّوس: (Andrei Roublev) لون الرداء الخارجي للملاك الجالس على اليمين، الذي يرمز إلى أقنوم الروح القدس، هو الأخضر. وهو أيضًا لون الشجرة التي تظهر في الخلفية، والتي تشير إلى بلوطة ممرا.
ملاحظة هامّة: لا توجد، في الواقع، أيقونة تصوّر الثالوث القدّوس تصويرًا مباشرًا، لأن الآب لم يتجسّد. وهذا ما أكّده مجمع موسكو الكبير سنة 1666–1667م. أمّا أيقونة أندريه روبليف (Andrei Roublev)، التي تعود إلى القرن الخامس عشر (ق. 15م)، فهي في الأصل تصوّر الملائكة الثلاثة الذين زاروا إبراهيم وسارة عند بلوطات ممرا (تكوين 18: 1–15).
لقد حذف روبليف إبراهيم وسارة وتفاصيل أخرى من المشهد، وقام بمحاولة رمزية لتصوير الثالوث القدّوس، فنراه يضع في الخلفية منزلًا وشجرةً وجبلًا. فالبيت يرمز إلى بيت الآب، أي إلى الآب؛ والشجرة، أي بلوطة ممرا، ترمز إلى شجرة الحياة، التي تشير إلى الصليب، أي إلى الابن؛ أمّا الجبل، فيرمز إلى الارتقاء الروحيّ والتجلّي واللقاء بالربّ، أي إلى الروح القدس
-أيقونات الأنبياء والقدّيسين: يرمز اللون الأخضر هنا إلى الحياة الروحيّة والامتلاء من الروح القدس.
ملاحظة: إنّ وجود الأشجار والخضرة وعناصر الطبيعة والمياه في الأيقونات يشير إلى الخليقة المتجدّدة بالمسيح.
وقد اعتبر الشهيد في الكهنة ديونيسيوس الأريوباغي (القرن الخامس- السادس الميلادي) في كتاب التراتبيّة السماويّة، الفصل الخامس عشر، الفقرة السابعة أن الاخضرار يرتبط بالحيويّة، والشباب والنضارة، وازدهار الحياة. واستعمل ديونيسوس كلمةً يونانيّة ذات دلالة قويّة للتعبير عن الاخضرار، وهي "akmaíon - ἀκμαῖον" المشتقّة من " akmí-ἀκμή "، التي تعني «الذروة» أو «أوج القوّة والنضج»، وتدلّ أيضًا على بلوغ الكائن كمال قوّته وحيويّته. ومن ثمّ، يتجاوز المعنى مجرّد الإشارة إلى اللون، ليعبّر عن بلوغ الكائن أوج قوّته وازدهاره. وهذا، في الحقيقة، هو هدف الحياة المسيحية: أن نبلغ ذروة القداسة ونمتلئ من الروح القدس، لأننا أيقونات حيّة خلقنا الله على صورته، ودعانا إلى القداسة.
«يا ربّ، اجعل نفوسنا خضراء على الدوام، نابضةً بالحياة، ومتجدّدةً بنعمة روحك القدّوس».
إلى الرّب نطلب.























































